هذا أنا .. ياسر الحياة أقف أمامك حافي الأمل ؛ مرتعد الفرائض شاخص البصر ؛ وأذني تسترق سمعي وهمسي .
أحمل إليكِ رسالة من أمير جسدي ؛ سطرها بأنامل الرجاء على صفحة من صفحات العتاب .. يقول فيها ؟
السلام عليكِ أيتها الهاربة ورحمة الله وبركاته .. وبعد …….
سأقص عليكِ بعضاً من أخبارنا الماضية ربما تُعيدك من جديد خيوط الذكرى.
أتذكرين .. يا سر حياتي عندما دخلت من فتحة الحياة أجول بنظري بين السماء والأرض ؛ ورأيتكِ واقفة عند هضبة أيامي مثل الكوكب المتلألأ ؛ أبهرتني أنوارك البيضاء .. أتذكرين ؟ عندما تسلقت خيوطها وحلقت كما يحلق النحل حول الزهر ؛ أحسست وقتها أنني جنباً إلى جنب بجوار الفلك الدائر والنجم السائر ؛ لم أكن أحلم أن أرى هذا المشهد في عين الخاطر ولا حتى على سواحل الخيال .
أتذكرين .. عندما شمر الليل ذراعه ؛ وانبثق نور الفجر ؛ واستيقظت الأيام ونهضت من مرقدها ؛ وذهبت إلى روض الحياة وتوضأت بأريج زهر حالم مغمس بقطرات من الندى ؛ ثم مدت يدها إلى صدرها واستخرجت السطر الأول من أقصوصتنا وذهبت به لتنثره على صفحة النيل الصافي .. أتذكرين ؟
عندما تسلقنا بحوافر الطهر أسوار معتقل الفضيلة وأطلقنا سراح بعضاً منها كانت سبيلنا في غرس أشجار الليمون ؛ آه .. أيام ليتها دامت كما الدهر دام .
كان وكان تسكن الماضي .. مجلسنا الأسطوري تحت ظلال شجرة مورقة شهدت أغصانها الخضراء على صفاء ونقاء همساتنا التي سكبناها في قارورة حب عتقتها الأيام ؛ أتذكرين .. السعادة وهي تطل علينا من نافذة الحياة بثغرها الباسم ووجهها الضاحك ؟ والسماء تتراقص نجماتها على وجه النيل الصافي لتروي أقصوصة عشق حُفرت على صدر الأيام ؟
توقف كل شيء فجأة !! عندما لمحت تدحرج اللؤلؤ على وجنتيكِ ؛ سابقت اللحظة لتحتضن يدي دمعاتك ؛ بذهول وتلعثم الحائر سألتكِ بصوت مرتعش .. لماذا البكاء يا سر الحياة ؟
أخاف وأخشى يا حبيبي أن نتذوق الفراق فأنا أعلم عن أسرار الأيام ما يغيب عنك
فالأيام سخية نعم بعطائها لكنها سرعان ما تتراجع وتسترد كل ما وهبته لنا !
بلا شعور احتضنت وجهكِ المقمر الذي بللته غزارة عبراتك .. وصرخت الموت فقط يا سر حياتي من يحق له أن يوقع على صدر الزمان وثيقة فراقنا .. الموت فقط .
شهدت نجوم الليل أقصوصتنا ؛ وبصمت بمدامعها على ما نثرناه على صفحة النيل ؛ وامتزجت بصمتها مع مياهه العذبة لتتسلل بين جداول الحياة تروي بذرة العشق الخالد .. حتى طابت واستوت عناقيده وطاولت قناديل البقعة الزرقاء وأصبح جلياً للغادي والرائح .
أصابته سهام العيون وتقاذفته ألسنة النميمة لتسقط شيئا فشيئا من ثماره .. وبدأت الرذيلة تقتات علينا وتوغلت إلى مشاعرنا الغضة تنهش من عناقيدها تعصرها خبراً .. لينتشر خبرنا إلى سفير جهنم .. لتدخل أقصوصتنا وتسكن صحيفة الذنوب ! تعالت الآهات وبلغت مسامع الأيام .
وبينما النهار كان واقفاً عند ناصية الحياة ؛ يلوح لنا مرسلاً إشارات خافتة ؛ تعد برحيله أو هروبه كلما تمدد الليل وافترش جسده الأسود على صفحة الأرض .
آه .



























